ولادة
القلب
من
كتاب الاحسان لاستاذ عبد السلام ياسين
بسم اله الرحمن
الرحيم.
موتى هم أكثر من
في الأرض، على رَشْحَةٍ من حياة هو المسلم الغارق في لُجَّةِ الدنيا، على رجاء في الحياة الآخرة هو
المومن الذي تاب وعمل صالحا. الأحياء عند ربهم هم الشهداء قتلوا في سبيل الله
على هذا شُدَّ يَدَكَ، ودعهم يرمونك عن قوس واحدة ويَسْلِقُونَكَ بألسنة
حدادٍ : ما هذا الهراء ! اقرأ لنفسك قول الله
ويا حسرتا على
من يستخفّ بكلام الرجال، يفنون عمرهم في تحقيق الطريق
ليُدْلوا لك بشهادتهم ويقدموا لك النصح الخالص على طبق! يا حسرتا على من لم يسمع! ويا حسرتا على من لم يذق! ويا حسرتا على من لم يشمَّ حتى
الرائحة لأنه استغشى ثيابه لمّا جاءته كلمة النصح، وجدها مرة. أزُفُّ لغير هذا
الميت، فما لجُرْحٍ بميِّت إيلامٌ، كلمةَ أسَفٍ من ابن القيم ناصحك ووامقك.
قال: "فوا أسفاه! وا حسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر والقلب محجوب،
ما شمَّ لهذا رائحة. وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل
عاش فيها عيشة البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس. فكانت حياته عجزاً، وموته
كمداً، ومعاده حسرةً. وا أسفا! اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت
المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُكْلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بك".[1]
ذبح القوم نفوسَهم، ووطئوا بالأقدام شهواتهم وأنانيَّتَهم، وصلّوْا على الدنيا
صلاة الجنازة، وجاءوا حبواً على الركب ليلْقَوا رجلا يعطف، ويؤوي، ويتعهد
الزرع، ويسقي الريحان القلبي إذا تفتح، ويمشط العروس ويطيب ويبخر، ويستقبل
المولود ويرضع ويفطم ويغذو.
هل بوسعك أن
تذبح نفسك وهواك وأنانيتك هذه الذبحة لتجد رَوْحَ
الشهادة في سبيل الله
هذا هو
المَهْرُ، تتقدم به إلى والدك الرّوحي ليتاجِرَ لك في
قضيتك، ويخطب لك، ويَجْلُوَ لك العروس، ويشرِف على الميلاد السعيد.
لا تظنَّ أخي أنّ القوم يُنَمِّقون العبارات، ويتجاوزون حدود الاستعارة
والمجاز ليحلِّقوافي سماء الخيال معبِّرين عن مواجيد غامضةٍ. أولئك أصحاب
الشّطحْ حين تجمح بهم الحقائق. أما مسألة الميلاد القلبي والوجود الجديد والفناءِ
بعدَه البقاءُ ورضاع الوليد وفطامه وتربيته فهي مراحل للنشأة الآخرة التي
ينشئها الله
قال: الإمام أبو
النجيب السهروردي
بهذا الميلاد
المعنوي يُدخِل المريدَ عالم الملكوت مع رفاقه
وَلِدَاتِه وإخوتِه في الشيخ، إخوته في الله
قال
ويفصل الإمام
بعد هذا مراتب الشيوخ: أولها: "السالك المجرَّدُ الذي
لا يؤهل للمشيخة ولا يبلغها لبقاء صفات نفسه عليه. فيقف عند حظه من رحمة الله
وأعلى المراتب
مرتبة المراد المحبوب المقرَّب "الذي أهل للمشيخة، سلم قلبُه، وانشرح صدره،
ولان جلدُه فصار قلبه بطبع الروح، ونفسه بطبع القلب. ولانت النفس بعد أن كانت
أمارة بالسوء مستعصية. ولان الجلد للين النفس". ويقبله الحق
قال رحمه الله:
"واعلم أن مع الشيوخ أوان ارتضاع وأوان فطامٍ، وقد سبق
شرح الولادة المعنوية. فأوان الارتضاع أوان لزوم الصحبة. والشيخ يعلم وقت ذلك(...). فلا يأذن الشيخ للمريد في المفارقة إلا بعد علمه بأن آن له
أوان الفطام(...) ومتى فارق قبل أوان الفطام يناله من الأعلال في الطريق
بالرجوع إلى الدنيا ومتابعة الهوى ما ينال المفطوم لغير أوانه في الولادة الطبيعية".[5]
قال:
"الطالب الصادق إذا دخل في صحبة الشيخ، وسلَّم نفسه، وصار كالولد الصغير مع الوالد، يربيه الشيخ بالعلم المستمَدِّ من الله
عن هذا الوجود
يقول ابن القيم المتحسِّر عليك يا من تُسَمَّعُ ولا تَسمع: "فإن اللفظ
لملوم، والعبارة فتانة(...). يذهب العبد عن إدراكه بحالِه لما قهره من هذه الأمور.
فيبقى بوجود آخر غيرِ وجودِه الطبيعيِّ. ولا أظنك تصدق بهذا. وأنه يصير له
وجود آخر! وتقول هذا خيال ووهم! فلا تعجل إنكار مالم تحط بعلمه، فضلا عن
ذوقِ حاله، وأعط القوس بارِيَها، وخل المطـايا وحاديَـها".[8]
ويسأل المنكر:
ما الدليل؟ فيجيب العالم العامل الجهبذ ولي الله
وليس يصح في
الأذهان شيء إذا احتاج النّهار إلى الدليل .
فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل على من النهار بعض آيــاته الدّالة عـــليه؟".[9].
القوم لا
يقرّرون للعقل أدلّة المنطق لأنهم لا يضعون أنفسهم
معك في موضع الجدال. إنما ينبسطون إليك مشافهة وكتابة ليخبروك بواقع، ويشهدوا لديك، ويبشِّروك، ويستنهضوك ومن آلاف آلاف الشاكِّين
والمشككين واللاهين الغافلين الغرقى واحد يجد الوديعة، ويُسْهِر لياليَه
الخَبَرُ، ويؤرقه وقع الشهادة، ويقبل البشرى، وينهض يبحث عن أبوّة روحيّة.
هل عند المعترضين تحت لافتات السلفية المقلدين ما يفسرون به تصريح عظماء
الرجال في شأن الولادة والأبوة الروحية؟ هذا نص آخر نقدمه إليهم عسى الله
قلت: وهذا توسيع
وتعويم للمعنى الدقيق الرقيق الذي يعرفه القوم، ويطل عليه العلماء العاملون أولياء الله
الشيخ الكامل الوالد المربي مراد أهل الله
على مثل هذا
شُدَّ يدك إن ظفرت به، وازهد في الدنيا ومن فيها. قال المشفق المحب ابن القيم:
"لا ريب أن عيش المشتاق مُنغَّصٌ حتى يلقى محبوبَه. فهناك تَقرّ عينه، ويزول عن
عيشه تنغيصه. وكذلك يزهد في الخلق غايةَ الزهد لأن صاحبه طالب للأنس بالله
أقول: إن لم
تظفر به فالجأ إلى باب المولى الهادي
قال الطالب
الخبير بما يطلب:
ما الناس إلا
الصالحون حقيقة*** وسواهم متطفل فـي النـاس
كم بين أمواتٍ
زمانَ حياتهــم*** معنىً وأحياءٍ مـع الأنفـاس
فإذا ظفرت بصالح
فاشدد بــه*** كَفَّيْكَ تشدد بالطبيـب الآسـي
وقال محب فارقه
الوالد بعد الفطام:
لو كنت أملك
طرفي ما نظرت به*** من بعد فرقتكم يوما إلـى أحـد
ولست أعتده من
بعدكم نظـــرا*** لأنه نظـر مـن ناظِـرَيْ رَمِـــــدِ
وقلت اعترافا
وشكرا لله
كم بَين مَيتٍ لِلزَّمان يُقاســي*** ومُحبَّبٍ حي مشى في النَّــاس
جعلَ الإلهُ لِنوره فــي قلبـهِ*** مثلاً من المشكاةِ والنِّبراسِ
يا ربِّ عَجِّل لي اللِّقاءَ بمثله*** واخْترْ لِعِلَّتيَ الطَّبيبَ الآسِي
المراجع
[1] طريق الهجرتين ص
268.
[2] طريق الهجرتين ص 325.
[2] على هامش
الإحياء ج 2 ص 16- 18.
[3] على هامش الإحياء ص 21.
[4] نفس المصدر ص 22
– 26.
[5] على هامش
الإحياء ص 43.
[6] نفس المصدر ص 45.
[7] نفس المصدر ص
214.
[8] مدارج السالكين ج 3 ص 326 – 327.
[9] نفس المصدر ص
326.
[10] نفس المصدر ص 69.
[10] عوارف المعارف ج
2 ص 26- 28.
[11] مدارج السالكين
ج 2 ص 54.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق